حكاية أمّ دُفن جنينها ميّتا في أحشائها: مستشفى سيدي بوزيــد متّهم، والنيابة تحقق
Al Chourouk - 2008-10-08Lu 51 fois
* تونس ـ «الشروق»:
عندما يقتل الانسان بسبب إهمال او خطإ طبي قد يستوعبها العقل، خاصة أمام كثرة تلك الاخطاء لكن عندما يسحب ميّت من ميّت، فهذا ما يمكن ان يعجز العاقل عن فهمه، ربما قد تفكّ رموزه النيابة العمومية.
نعم، سحب ميت من ميت في مستشفى سيدي بوزيد مؤخرا، بل وأعطى أهل الميتين وثائق خاطئة، ربما تدخل خانة التدليس.
الحكاية بدأت مشاهدها عندما تعرّف السيد الهادي بوعزيزي، على جميلة، التي احبها وقرر الزواج بها سنة 1996 .
بعد سنوات أثمر ذلك الزواج ثلاثة أبناء بنتان وولد، الكبرى ندى عمرها 13 سنة، تدرس بالسابعة أساسي والوسطى رجاء عمرها 11 عاما. تواصل دراستها بالسنة الخامسة أساسي . أما الأصغر فهو مروان عمره ستة أعوام صافح مقاعد الدراسة خلال السنة الحالية.
كان يمكن ان يكون الرابع في الطريق، إلا انه رحل مع أمه.
* جنين مشوّه.. وميت في الأحشاء
كانت السيدة جميلة حاملا، في فترة متقدمة من الحمل عندما توجهت مع زوجها الى طبيبها الخاص، للقيام بفحوصات، كان وقع المفاجأة قاسيا بعد ان أبلغ الطبيب مريضته بأن الجنين مشوّه، بعد مدّة توجهت مع زوجها الى أحد المستشفيات بسوسة فتأكد الزوجان بأن الجنين فعلا كان مشوّها.
نُصحت الأم باستعمال أدوية معيّنة، فالتزمت بما أوصي لها، مع اقتراب شهر الولادة شعرت جميلة بأن الجنين لم يعد يتحرّك في احشائها، أبلغت زوجها فسارعا على الفور الى مستشفى بسوسة هناك أبلغوها بأن الجنين مات ويجب ان تجري عملية جراحية عاجلة لإخراجه وسلمها الأطباء رسالة الى مستشفى سيدي بوزيد.
توجهت مع زوجها الى المستشفى وقدّمت الرسالة التي تسلّمتها من سوسة.
يوم الاثنين 24 ديسمبر أودعت بالمستشفى الجهوي بسيدي بوزيد واحتفظ بها باحدى الغرف. اطمأن الزوج قليلا وظن بأن زوجته في مأمن الا ان الاحداث تطوّرت بشكل مأساوي.
* بداية المأساة
في حدود الساعة العاشرة صباحا، عاد الزوج الى عيادة زوجته، وسألها عمّا فعله الطبيب اثر فحصها فأجابته بأنه لم يأت بعد، أراد ان يدخل عليها بعض الطمأنينة فقال ربما يأتي بعد حين.
عاود زيارة زوجته في حدود الساعة الثانية بعد منتصف النهار وكان متشوقا لما فعله الطبيب فأجابته بألم لم يأت بعد.
مازال آملا، بأن الطبيب قد يأتي غدا في اليوم الموالي عاد من جديد الى المستشفى وكانت نفس الاجابة من زوجته عندها أبلغ بعض الممرضين وإدارة المستشفى فطلبوا منه شراء حقنة على حسابه الخاص فنفذ ما أمر به وتوجه الى الصيدلية واشترى حقنة بخمسة وستين دينارا وأحضرها بسرعة.
ومازال الجنين ميتا في أحشاء أمه دون حراك، وبدأت آثار تعفّنه تظهر شيئا فشيئا فالرائحة اعلنت المصاب الجلل.
يوم الاربعاء 26 ديسمبر 2007 تم حقن الزوجة بتلك الحقنة، ثم بدأت آلامها في مساء نفس اليوم، ارتفعت آلام الزوجة وبلغت مداها وكان صراخها يملأ زوايا وتفاصيل المستشفى ولا أحد يسألها او يخفف من روعها إلاّ هو في ذلك المدى المفتوح للنسيان زوجها دون سواه.
ظلت جميلة تصارع الألم، حتى عاد زوجها في اليوم الموالي يوم الخميس 27 ديسمبر 2007، وكان مصحوبا بوالدته منع هو من الدخول فيما سمح لأمه التي رأت ما تعرّضت له زوجة ابنها من إهمال فالجنين ميت في أحشائها منذ أكثر من أربعة أيام، ولا أحد يتدخل لانقاذ حياتها واخراج الجثة التي تعفنت.
* قم ودّع اليوم الأخير
اتصل الزوج بالطبيب المعالج لزوجته وأبلغه بكل التفاصيل فحاول الطبيب التدخل، لكن دون فائدة فالبعض من أولئك لا يستمعون أو ربّما لا يريدون سماع صوت الاستغاثة.
أحست جميلة بالخطر يداهمها، فخرجت من غرفتها وتوجهت بمفردها لاسند لها غير الرغبة في الحياة، الى قاعة التوليد لكن القابلة نهرتها وأمرتها بالرجوع الى فراش غرفتها، فاستجابت عن مضض.
اشتدت الآلام، ولم تعد قادرة على مقاومتها فاستعانت بمرافقتها، والدة زوجها وعادت ثانية الى قاعة الولادة تطلب النجدة.
احتلت جميلة طاولة من بين ثلاث طاولات بغرفة الولادة، فعادت القابلة وأمرتها بالانصراف بتعلّة وجود حوامل ينتظرن دورهن قبلها.
أجابت جميلة بانها ترى الموت أمامها وحسب شهادة مرافقتها فإن القابلة قالت لها «ارجعي الى فراشك، ان ولدت فيه او متّي...».
وتعمّدت القابلة طردها من قاعة التوليد بعد ان أبعدتها عن طاولة الولادة توسلت جميلة «لمعالجتها» لكن دون فائدة لم يبق لها غير البكاء وطلب النجدة، إلا أن أحدا لم يسمع صوتها، تروي مرافقتها، بأن جميلة، أطردت من قاعة الولادة، فخرجت مثقلة، وبدأ الاصفرار يحتل ملامحها، الى أن سقطت في الممرّ الفاصل بين غرفتها وغرفة الولادة.
وكان السقوط النهائي، وآخر كلماتها لحماتها قائلة «إني أشتم رائحة لا تطاق» ربما كانت رائحة الجنين الميّت بأحشائها منذ أكثر من أربعة أيام، انتفت تفاصيلها، ولم تعد جميلة تشعر بالألم، ورقدت ببطن منتفخ، فحاولت مرافقتها إيقاظها، لكن الموت كان أسرع.. ماتت جميلة، ولم ينقذها أحد.
ماتت جميلة وتركت ندى ورجاء ومروان.. كل الشهود قالوا إنها تعرّضت الى جريمة إهمال.
حسب الشهادات، فلقد نقلت الهالكة فورا، وأجريت لها عملية جراحية وهي ميتة وأخرجوا الجنين الميّت من أحشائها، ربما كانت تلك العملية تنقذ حياة بشر لو أجريت قبل أقل من ساعة.
وحسب زوجها السيد الهادي البوعزيزي فإنهم شقّوا بطنها «للإيحاء بأن زوجته توفيت أثناء العملية وليبعدوا عنهم كل الشبهات».
حلّ الحزن بالعائلة وكل من عرفها ودفنوا الميتين، الأم والجنين، ثم عاد الزوج بعد مدة الى المستشفى لاستخراج الوثائق فقدّموا له وثائق مزوّرة باسم امرأة أخرى وزوج آخر، وقد حصلت «الشروق» على نسخة كاملة من هذا الملف.
عندما أدرك الزوج أن زوجته ضاعت منه وأنه من المتوقع أن تضيع كل حقوقه توجّه الى القضاء، ورفع قضية ضد القائمين بمستشفى سيدي بوزيد وكل من ستكشف عنه الأبحاث.
أما من الناحية الادارية، فلقد اشتكى الى السلط المختصة، فاستمعوا الى شكواه، لكن لا نتيجة الى حدّ الآن. يقول الزوج «لقد أرادوا إسكاتي وطلبوا مني أن أتراجع عن الشكاوى ولا أتصل بالصحافة»، وأعطاه أحد المسؤولين رسالة موجّهة الى السيد المعتمد بسيدي بوزيد تضمّنت طلب مساعدته بتمكينه من مواد غذائية كما حصلت «الشروق» على نسخة من رسالة موجهة من أحد المسؤولين الى السيد المعتمد الأول بولاية سيدي بوزيد ورد فيها نصيا «تبعا لمكالمتنا الهاتفية، ألتمس من سامي جنابكم التفضّل بالنظر في امكانية مساعدة هذا المواطن: الهادي بوعزيزي، من حيث إيجاد سكن له ولأبنائه الثلاثة اليتامى، إذ أن المعني بالأمر يسكن حاليا مع والده ـ مع الشكر الجزيل».
ويقول السيد الهادي، الزوج: «لقد أعطوني جهاز هاتف جوال ومبلغ 350 دينار بعنوان مصاريف تنقل بين سيدي بوزيد وتونس.. فقط لإسكاتي».
ويضيف مخاطبنا: «انتظرتهم كثيرا الى أن قاربت المدة العام، لكني لم أتوصّل الى حدّ الآن الى أي حل لمشكلتي، فالقضية مازالت موضوع بحث فتحته النيابة العمومية في الاهمال الذي أدّى الى القتل والتدليس».
الآن، قرّر السيد البوعزيزي، أن يخرج من دائرة الصمت، وأن يعلن ما تعرّضت له زوجته وعائلته الى الرأي العام، مناشدا السلط المركزية التدخّل لفائدته، لإظهار الحقيقة، ولا شيء غير الحقيقة.
هو الآن، يعيش حالة بطالة، لا يقوم بشيء غير العناية بأبنائه اليتامى، يقيم مع والدته بإحدى قرى ولاية سيدي بوزيد، لا شيء يشغل باله غير طيف زوجته جميلة، الغائب الحاضر دوما.
العائلة تنتظر من ينصفها، فأي يد ستمتدّ لكشف الحقيقة وتعريتها، فالحقيقة، إما عارية صافية أو لا تكون.
* منجي الخضراوي
