في حي النور ـ القيروان: «شلبية» عجزت عن الاستغاثة فماتت حرقا
Al Chourouk - 2009-07-03Lu 29 fois
* القيروان ـ «الشروق»:
رغم حرارة الطقس افترش عدد من المعزين بساطا في منزل أحد الجيران في حي النور بالقيروان ينتظرون جثمان شلبية لتشييع الجنازة. الوالد الشيخ اتكأ على الجدار ممسكا «مسبحة» في حين كانت الوالدة العجوز تعرض على الحاضرين الملابس التي احترقت فيها ابنتها المعوقة مستظهرة ببطاقتها الاجتماعية وهي تستفسر أحد الحاضرين ان كان يحق لها ولزوجها العجوز أن يرثا المنحة الاجتماعية التي كانت تتمتع بها ابنتهما المعوقة بعد وفاتها.
شلبية الوسلاتي (35 سنة) وهي معوقة لفظت أنفاسها مساء الثلاثاء الماضي داخل المستشفى متأثرة بحروق أصابتها بعد أن نشبت نيران «الكانون» في ثيابها في غفلة من أمرها.
ويستفاد من تفاصيل الحادثة التي استقتها «الشروق» من الأقارب أن شلبية صعدت إلى سطح منزل والديها صباح الثلاثاء بهدف إطعام دجاجات. إلا أنها لم تنتبه إلى «الكانون» الذي وضعته الوالدة هناك فأصابها بحروق بليغة قبل أن يتم نقلها إلى المستشفى حيث تدخل الإطار الطبي لإنقاذ حياتها لكنها لفظت أنفاسها بعد ساعات من اقامتها بغرفة الانعاش.
وقد تم وضع جثة الهالكة على ذمة الطبيب الشرعي لتحديد أسباب الوفاة قبل الاذن لعائلتها باستلامها ودفنها.
«الشروق» ارتأت زيارة أسرة الهالكة.. وهناك وقفت على تفاصيل الحادثة المأساوية ومصير الوالدين العجوزين بعد فراق معيلتهما المعوقة..
معوقة وعجوزان
وسط أحد الأحياء الشعبية بحي النور يقع المنزل المنكوب. كاد يتسرب إلينا الظن بعدم وجود معزين لغيابهم أمام المنزل قبل أن يتبين وجودهم في منزل مجاور كان سخره صاحبه للغرض وقد كان والد الهالكة الشيخ المنوبي الوسلاتي (في العقد الثامن) يتكئ إلى الجدار وهو يمرر بين أصابعه حبات «المسبحة» دون أن تسمع له همسا ولا جهرا.
طلبنا الحديث إليه فتحرك في مجلسه دون أن يقوى على النهوض. بدا ثقيل السمع ضعيف البصر لكنه أراد أن يقص علينا أطوار الحادثة التي أودت بحياة ابنته التي تشكو من إعاقات ذهنية ومرض نفسي مزمن.
كان داخل غرفته صباح الثلاثاء بصدد انتظار إعداد طعام الغداء وذكر انه فوجئ بزوجته العجوز تبحث عن ابنتها وتسأله قبل أن يتبين تعرضها للإصابة بحروق.
ويبدو أن أحد الأقارب قد لاحظ عجز الشيخ عن الحديث بسبب ضعف سمعه فتطوع لدعوة الوالدة.
لم تكن الأم أمينة أصغر من زوجها سنا. كانت منحنية الظهر لكنها نشيطة. تجاعيد وجهها لم تخف علامات حزنها.
وعن أطوار الحادثة وما سبقها روت أنها أشعلت «الكانون» كعادتها كل يوم لطبخ الشاي حتى تتجمع حوله مع زوجها.
وأكدت انها وضعت «الكانون» فوق السطح ريثما يتخلص من غازاته.
وفي الأثناء حملت الفتاة بقايا بعض الطعام لتعطيه لدجاجات تقيم فوق السطح. ويبدو أنها انشغلت بملاعبة الدجاجات دون أن تتفطن إلى ملامسة ثوبها الفضفاض للكانون المشتعل مما أدى إلى سريان النيران عبر الثوب دون أن تقدر على الصراخ رغم محاولتها إطفاءها.
وذكرت العجوز انها كانت منشغلة داخل المنزل إلا أنها وبعد مرور بعض الوقت لاحظت غياب ابنتها من جوارها وهي التي لم تتعود مفارقتها للحظات. بحثت عن ابنتها في غرف المنزل ثم خارجه ظنا منها أن تكون غادرت المنزل ثم لمحتها واقفة على المدرج وهي في حال غير عادية.
ألم وصمت
وذكرت الوالدة أمينة أن ثياب ابنتها كانت محترقة وقد أصيب جسمها بحروق وهي جامدة لا تتحرك. جرت الوالدة إلى ابنتها وعندما احتضنتها وسألتها ان كانت تشعر بالألم ردت بإيجاب بكلمات متقطعة ولم تستطع أن تعبر عن شدة ألمها بعد أن احترق جلدها في أماكن متفرقة من جسدها...
قامت الوالدة بتغيير ثياب ابنتها بعد ان وضعت بعض زيت الزيتون للتخفيف من حدة الألم حسب قولها ثم تركت ابنتها بجوار والدها وجرت إلى ابنتها التي تقيم بعيدا تخبرها بما حدث.
وبعد دقائق عادت الوالدة على متن سيارة زوج ابنتها وتولت نقلها إلى المستشفى.
وذكرت الوالدة ان شلبية كانت تمشي على قدميها وتكلمت وهي في الطريق إلى المستشفى وهناك خضعت إلى الفحوصات اللازمة بعد أن تمت إحالتها على غرفة العناية المركزة.
مضت بضع ساعات على إقامة شلبية في المستشفى وعاد الوالدان إلى المنزل آملين في تماثلها للشفاء بعد أن طمأنهما الاطار الطبي بسلامتها ووجود أمل في إنقاذها، لكن الهاتف حمل إليهما خبر وفاة ابنتهما المعوقة التي أدخلت الحزن على الوالدين وعلى شقيقتها المتزوجة.
في كفالة معوق
تشكو الهالكة من إعاقة ذهنية وصعوبة في النطق رغم سلامة جسدها ولم يدخر والداها جهدا في العناية بها ورعايتها. وذكرت الوالدة أمينة ان ابنتها لا تأكل إلا من يديها ولا تنام إلا بجوارها وفي حضنها. وقد حظيت شلبية منذ صغرها برعاية اجتماعية من السلط الجهوية. وعلاوة على دفتر العلاج والمساعدات الموسمية فهي تتمتع بمنحة اجتماعية.
وعن هذه المنحة أكد السيد المنوبي انهم يستغلونها في الأكل والشرب وخلاص معلوم الكهرباء والماء وغير ذلك.. مؤكدا ان ابنتهما المعوقة هي التي كانت تنفق عليهما بتلك المنحة بعد قعوده عن العمل بسبب شيخوخته.
سألتنا الوالدة المسنة ان كان يحق لها ولزوجها العجوز التمتع بقيمة المنحة بعد وفاة ابنتهما فأكدنا لها ان هذه المسألة القانونية والاجتماعية اجابتها بيد المسؤولين. فلم تقتنع بإجابتنا التي يبدو أنها أدخلت عليها حزنا جديدا فانخرطت في البكاء وهي تؤكد لبعض المعزين ان تلك المنحة هي رأسمالها وزوجها مؤكدة عدم وجود أي مورد رزق آخر لهما حتى من جهة الأبناء (ابنين متزوجين) بسبب محدودية دخلهما.
وناشدت العجوز المسؤولين أن يقوموا بزيارتها مؤكدة حاجتها إلى مساعدتهم وظلت تصف حالها بكلام لم نتبينه حقيقة بسبب كثرة بكائها ولم نتبين كذلك ان كان بكاؤها حزنا على ابنتها المتوفاة أم على حالها وزوجها.
* متابعة ناجح الزغدودي
